المشاركات الشائعة

الخميس، 17 يوليو 2014

الرّب

بسم الله الرحمن الرحيم

الرَّبّ

     ما هو مفهومُنا عن الرّبّ ؟ ما هي فكْرتُنا وتصوُّرنا – نحن من اصطفى الله الإسلام لنا – لله الخالق الرازق المدبّر ؟

     هل هو مفهومٌ يضعُه في مكان فوق السماوات ، ويجعله يثيب الطائعين ويعاقب العاصين في الدنيا بشكل محدود وفي الآخرة بشكل مطلق ، ويجعله يُدِيرُ الكونَ باستقلال تامّ وارتِفاع عنه ؟

     إنّ الربّ في القرآنِ هو الرب الذي يحتوي كل الظواهر الكونية ، بين البشر ، بين الأجرام السماويّة ، في الأرض ، في السماء ، في السراء ، في الضراء ، في الحرب ، في السلم ، في اليُسر ، في العُسْر .

     كلّ تناقُضاتِ الكون وسننه ، وحوادثه ومتغيراته ، ومفاهيمِه وجريانه ، كلُّها تراها عيانًا بيانًا في كتاب الله تصريحًا أو تعريضًا .

     إن القرآنَ يتخطى بعقل قارئِه كل الحواجز ، ليرتقيَ به إلى أعظم وأعلى ما يُمكِن أن يتصوّره ، أو فلنقل : يرى إشارةً منه تنبئه بعظمته وفوقيّته ، إن القرآن يرتحِل به في معنى الربوبيّة إلى اللانهائيّة ؛ لأنّه جعل كلّ صغيرةٍ وكبيرة محبوبةً إلى النفس كانت أو مكروهةً – جعلها ضمن سنّة الله وتدبيره .

     السرور واليُسْر ليسا للمؤمنين على الدوام ، كما أنّ الشقاوة والبُؤس ليسا للعاصين والفاسقين على الدوام .

     إنّ مفهومَنا لعمَل الرب وتدبيره يتسع باتّساع ظواهِر هذا الكون ، أو قل : الدنيا . ومفهومَنا للرّبّ – سبحانه وتعالى – نفسِه هو أعلى من كلّ شيء ، هو المحتوي لكلّ تلك المتغيّرات والمحيطِ بها والذي علمناها في كتابِه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديْهِ ولا من خلْفِه .

     إننا إذًا استشعرنا ربوبيّة الخالق ، فإنّنا لا نشعُر سوى باللامحدوديّة ، بالمُلْك التام ، والعلم والإحاطة الكاملَيْن ، والاحتواء اللانهائيّ . كما أنّنا نحاول أو نسعى لنستشعِرَ تلْك القوّةِ التي أجرتْ كلّ هذا الكونِ بإرادتِها وإحكامِها وتحديدِها ، القوةِ الّتي إذا أرادتْ شيئًا كان ، وهي على ذلك لا تبوحُ بنفسها لأيّ أحد ؛ إنها – والله أعلم – تستتر وراء غشاء رقيق ، متى أذن للمرء الربُّ أن يرى عبرَه يرَ ، ومتى لم يشأ لم يرَ ، وهيَ لأجل ذلك لا تغيّر سنةَ خلقِها إلا قليلاً لإعلام الناس بصدْقِ رسُولٍ أو إنذارِهم من عاقبةِ صنع .

     إنّ تلكَ القوةَ إذًا تعطينا الأمل منقطِع النظير أمامَ كلّ حادثٍ وكلّ حالٍ ؛ لأنّها علمتْنا أن الأحداث المرئيّة لا تعني شيئًا ، إنّما العواقبُ هي المُعتبَرة ، وكِتابُ الله وبصيرة المؤمنين وإلهام اللهِ لهم هي المبيّنات لحقيقةِ الحال ومآلِه .

     هذا مفهومُنا للربّ – والله أعلم – .

     أخطأَ من جعَل صورةَ الربّ من وحيِ هواه أو ظنّه . وأخطأ من صوّر الربّ في صورة أو حدّدَه بحدود .

     إنّما هي ملّةُ إبراهيم – عليه وآله ومحمدٍ وآله الصلاة والسلام – ، الذي اتّخذهُ الله خليلاً ، وجعلَ من يرغبُ عن ملته سافِهًا لنفسه : " إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا " ، ويقول : " وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا " .

     إنّنا نُيمِّمُ قِبَل ذلك الخالق البارئ المصور المدبّر الواحد ، ونُسلِّم له أمرَ الكونِ كلِّه بكلّ متغيّراتِه وصُوَره وآياتِه ، ولا نقبَل شيئًا دونَ ذلك . وإنْ سمّينا للرب – سبحانه – يدًا أو ضحكًا أو عجبًا ، فما هو إلا تقرُّبٌ لأذهاننا – نحن البشر المحدودون الضعفاء – ، وإنّما الواقِعُ فوقَ كل شيء .

     ذلك صوتُ العقْل والفِطرة – والله أعلم – ، فما بالُنا إذا كان هذا هوَ صوتُ الوحْيِ والقرآنِ كذلك ؟!

     اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته ، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين ؛ إنّكَ حميدٌ مجيد .

بسّام بن عصام يغمور – مكّة

27/9/34 – 11:38م

الدّين في الأصْل غير قابلٍ للتفسير .. إلا إذا ...

بسم الله الرحمن الرحيم

الدِّين في الأصل غيرُ قابلٍ للتفسير

     " الطبيعة أقوى منا " .

   " لم نستطع أن نفهمَ الكونَ كلَّه بعد " .

     هذه بعضُ الاعترافات التي تبدُر من فيزيائيّ متمكّن في تخصّصه ومولَع بنظريّات الفيزياء ، خاصةً النسبيّة والأوتار !

     في لقاء للشاب البريطاني حمزة تزورتزس وبين ريتشارد دوكنز الملحد النشيط دبلوماسيًّا والمتبني لنظرية التطور ، ادّعى دوكنز أن نظرية التطور يمكن فهمُها وإدراكُها بشكل أسهل بكثير مما يمكن فهم الكون وإدراكُه ، فردّ عليه حمزة بأنّ الذي خلق هذا الكون إذا كان خلقُه معقدًا فلا يعني أنه نفسه معقد أو لا يمكن فهمه ، وكذلك دينُه وتعاليمُه .

     دوكنز ليس معنيًّا بالفيزياء ، ولكنّ فروع العلوم المختلِفة التي تبحث عن تفسير للخلْق هي في الحقيقة من عائلة واحدة .

     هذا الادعاء الذي ادعاه أخونا الداعية حمزة – وفقه الله – ورأى أنّه ردّ على حجّة أن الدين لا يُفهَم وأنّ الأديان هي مجرّد هرطقات ، هو نابعٌ من فكرتِه التي تقوم على تطويع العلم التجريبي لإثبات الرسالة ، وهذا في رأيي يبدو غيرَ صحيحٍ .

     إنّ الله – جل وعلا – الذي خلَق الكون بتعقيداته وعظمةِ نُظُمه ورقيِّها عن إدراك البشر إلى الآن – وربما إلى الأبد – هو نفسُه الذي أنزَل الرسالات الحقّة وافترض فيها العبادات جميعًا ، بهدَف عودةِ الإنسان إلى غايةِ خلقِه والصراط المستقيم . أيْ أن الرسالات هي تعودُ به إلى الأصل الذي سينسجم به مع خلق ربِّه أحسَنَ انسجام وتصلُح الخليقة كلُّها لو أنّ كل بني آدمَ قد عملوا بهذه الرسالة ، وإن رأى أنه يؤدي هذا الغرض بوسائل أخرى ، ولكن وسيلة الدين هي التي في النهاية ستثبت أنها الحق ، ولو كانت هذه النهاية لن تأتي إلا بعد إعادة تاريخ الكون كله من جديد .

     وإذا كان كذلك ، فإن الرسالات تكونُ أيضًا فيها من الغموض والإبهام كما في الكونِ .

     إنّ العمل بمقتضى حدود العقل البشريّ طالما قادَ العالم إلى فساد وخراب ، طبيعيًّا واجتماعيًّا وصحيًّا . وإنّ زعمَ إدراك العقل المجرّد للدينِ هو مثلُ زعْم إدراك العقل المجرّد للكون كلِّه .

     هذا مفهومٌ قد يعارِضُه بشدّة أصحابُ الإعجازِ العلميّ ، وأولئك الذين يجعلون العلمَ وسيلةً رغمًا عنه لإثبات الدين . والحقيقة أنّ العلم البشري اليوم لم يصلْ لتلك المرحلة ، وقد لا يصِل أبدًا ؛ فهو إذًا غيرُ معولٍ عليه .

     لنأخُذْ أمثلةً .

     أما الكونُ ، فإنّ فيه ظواهرَ كثيرة تركت الفيزيائيين – وهم المعنيون بتفسير الكون – في حيرةٍ وعجز .

     من هذه الظواهر الثقوب السوداء التي لم يُقدّر – ولن يقدر طبقًا لتوقعات الفيزيائيين – أن يصل لها البشر ويختبروها ، ويبدو أن أكثر المعادلات والنظريات تطورًا لا تصلُح في تلك الثقوب ، وهذه الثقوب وحدَها كفيلةٌ بالإشارة بجلاء إلى عجز الإدراك البشري أمام الكون . ومثلُ ذلك في نشأة الكون وبدايته ، ومصيره بعد الفناء ، وفيما إذا كانت هناك حيوات بأشكال ونُظُم أخرى غير نظمنا وقوانيننا .

     أمّا في الدين ، فإننا نرى تجريمَ اللواط ، وقتل المرتدّ ، والجِهاد ، وتعدّد الزوجات للرجال دونَ النساء ورفع الرجال على النساء درجة ، والطُّرُق المحددة للصلاة وللدعاء والعبودية ، وفي المقابل نرى حريّة الدين ، والأمر بالإعراض عن الجاهلين والكافرين ، وكذلك نرى حقوق الإنسان والمنطِق البشري ، بل وباب واسعٌ للشك وردّ الأديان ، وهو علم الطاقة الحيوية والعلوم الشرقيّة ، والتي أثبتتْ حريّة اختيار الإنسان وقدرته العالية على تغيير الكثير ، مع أنّ هذا لا ينفي أن الله – عز وجل – هو من قدّر هذا وخلقه حتى يسمحَ للكافر أن يكفُر لأقصى درجاتِ الكفر ، ولا يسمحَ لأحد أن يدخُل الدين إلا من أجل الدين والله فحسب .

     قد يقول قائل إنّ الحدود الشرعيّة هي منطقيّة لأنها تردَع الإنسان متى طبّقتْ عن الجرائم مثل القتل والسرقة والإفساد في الأرض .

    ولكنّ هناك من يردّ على هذا بسؤال : الزنا والشذوذ وحرية الجنس عمومًا أصبحت الآن آمنة صحيًّا من خلال وسائل العزل ومنع الحمل ، بل إنّها تمنح أفراد الجنسَين حقوقهم الجنسية بدلاً من الكبْتِ والاضطراب النفسي والصراع الداخلي وربما الانحراف كمضاعفات لهذه الأمور .

     وإذا قلتَ إن اللواط قد يسبب انقراض البشريّة ، سيقول لك إن أعداد الناس اليوم كافية ، وضرر الشذوذ الصحي استطعنا تجنُّبَه ، وإنّ أعداد الناس التي ستقل هي مشكلة أصغر من مشكلة أعداد الناس التي ستزيد من خلال الزواج المعتاد ، كما أن العلم الحديث استطاع أن يجعل الشاذ يحمِل ويلد ، أضف إلى ذلك أن الشاذ يولَد شاذًّا – مع أن هذا ليس مثبتًا علميًّا على الصحيح – .

     وأمام هذه المفارَقات العصريّة – والنظرات القاصرة حقيقةً ، ولكنّها معتبرة وينبغي ردّها بالمعرفة الصحيحة – فإننا نحوّل اعتقادَنا وفَهمَنا إلى أن المنطِق والاستنباط البشريَّين وحدَهما لن يستطيعَا إثباتَ صحة الرسالة . ومع أنّ هذا قد يسبّب إزعاجًا ورفضًا لبعض الدعاة ، إلا أنه يرجِعُنا إلى حقيقة عزّة هذا الدِّينَ وارتقائه عن كل ما يمكن للبشر إنتاجه وتأليفه ، ويجعَل المؤمنين أيضًا في طمأنينة عندما يرونَ أن بعض نظريات العلم لا يفسّرها الدين أو يختلِف معها ، ويقرّب مفهومنا للدين للملحدين والمشركين كذلك ، بدلاً من استجداء العلم الحديث لإثبات حقيقة الدين ؛ فإن تفسير هذا الدينَ الذي يجعلُنا في انسجام مع خالق الكون الذي هو فوق قدرات البشر الإدراكية هو أيضًا فوق قدرات البشر الإدراكيّة .

     وإن هذه الدعوى ليستْ بشاذّة عن القرآن ، بل إنّها مقرّرةٌ مؤكّدة في أواسط القرآن : " وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً " ، وإنّ العلم لا يعني الطب ، ولا الفيزياء ، بل العلم الذي أوتيَه الأنبياء والرسل ، وقد يكون الطب والفيزياء مدعّمَين له ، وهم مع ذلك في مرتبة لا ترقى إلى الكمال في العلم .

     إن دوكنز وغيره الكثير من الفيزيائيين أو كلّهم يعتقدون أن الكون فوق إدراكنا إلى الآن ، وإنّنا لنعلَمُ أن الدين والطريق الأمثل للتفاعل مع هذه الحياة هو أيضًا فوق إدراكنا الآن ، وقد لا يختلِف الدين عن الكون في هذا – والله أعلم – . هو فوق إدراكنا من ناحية تفسيره وشرحه وتعليله ، لا من ناحية أساليبه وتشريعاته المباشرة ، فلو كان كذلك لكانت هذه ثغرة في الخلق ؛ لأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي حمل على عاتقه الأمانة وحرية الاختيار ، فإذا لم ينزِلْ له ممن كلفه هُدًى فإنّه سيهيم ويضِلّ في الأمور التي لم يستطعْ إدراكها ، وحُقّ له ذلك ، وهذا يعني فسادًا وخللاً في الأرض .

     لهذا نحن نؤمن أنّ هذه الرسالة بالتحديد هي غايةُ ما يصلح لبني آدم في هذه الحياة وترفعُه بين المخلوقات أيّما رفعة لاتصاله مع أقوى قوة وأصل كل شيء ، وقد نسمّي هذا عندنا " التزكية " أو " الولاية " .

     أَعلَمُ أنك – أيها القارئ الحبيب – تستحضر في ذهنك أمثلة لإعجازات علميّة وافق فيها العلمُ التطبيقي القرآن والسنة ، أؤكد هذا وأشاركك فيه ، ولكن في المقابل هناك من العلوم التطبيقية ما لم يصلْ إلى حقيقةٍ أو تفسير نهائيّ يرضي القائمين عليه ، وقد يعارض ما وصلوا إليه الدين فلا ينفعهم العلم التطبيقي ، كما أنّ هناك من الدّين ما لم يصلْ له العلم التطبيقي وأنكرَه ، فلم ينفع العلم التطبيقي أيضًا في هذه الأمور . ومع أنّ إثباتَ البعض قد يكفي لإثبات الكلّ – خاصةً وأن البحوث تكتشف صحة كلام رجل أمّيّ – صلى الله عليه وآله وسلم – بل وعربيّ من أمة لم تعرف الحضارة بالإضافة إلى أنه من أكثر من 1000 سنة من الآن – ، ولكنْ إذا عارض البعض الآخر العلم التطبيقي القاصِرَ فإنه قد يحدُث الشك والارتياب من جديد .

     هذا وقد يصِل العلمُ إلى إثباتاتٍ جذريّة عميقة في إثبات صلاح الدين وكونِه الطريق الأمثل لحياة الإنسان وصحته " جسدًا وعقلاً وروحًا " – مثل تعبير د. وليد فتيحي – ، من خلال أبحاث علوم النفس والاجتماع ، وأبحاث الدماغ والأعصاب التي تتحكم في كل الإنسان بكل جوانبه ، ولكن هذا لم يكتملْ إلى الآن ، ويحتاجُ إلى توجيهٍ مقنّن ؛ لأجل أن يتطرّق إلى نقاط الخلاف الفاصلة بين الدين وبين غيره ، وبين كل دين والأديان الأخرى ، وتأثير كل من تلك الأمور على البشر وتفاعلاتهم وأدائهم وما يؤثر به الفرد منهم على غيره من الناس والبيئة والطبيعة ، ويجبُ أن نضمن أن نصل في هذا البحث إلى أبعد نقطة وأعمقها ؛ لأننا نؤمن بأنّ هذا الدين هو المصير والصراط المستقيم للكون .

     وفي حال لم يمكن الوصول إلى شيءٍ كهذا ، فإن هذا لا يضرُّ الدينَ شيئًا ، فإن الذي جذبنا لهذا الدين هو الله الذي وراء كل شيء وفوق كل شيء " لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ " و" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " ، متّبعينَ في ذلك ملةَ إبراهيم الخليل – عليه وعلى نبينا وآلَيهما الصلاة والسلام – " حَنِيفًا " .. " وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " .

     وإن الطريق الذي قد يكون الوحيد لإدراك صحة هذه الرسالة وتصديقها هو اختبار القرآن ومفاهيمه وإسقاطه على الوقائع والأحداث لتظهَرَ سنةُ الله جليةً مصداقًا لكتابه العزيز ، بشرط الفهم الواعي واسع الأفق لمجموع آياته ومقاصدها ودلالاتها بعيدًا عن التأويلات غير اليقينيّة ولو كانت مأثورةً – من غير رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – . ومنْ طرَقَ هذا الباب فإنه بإذن الله يعود إمّا مؤمنًا مصدّقًا لما عرف من الحق ، أو مستكبرًا آبيًا على ما عرَف من الحق ؛ لمرض في قلبه ، والله أعلم . وإنّ مما يدلّ الباحث على هذا المفهوم هو أن الله كثيرًا ما افتتح السُّوَر بوصف كتابه بأوصاف تبيين الحق والبشارة والنذارة والتفصيل وغير ذلك : " وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقْلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ الْمُنذِرِينَ " .

     والله – سبحانه – أعلى وأعلم .

     سبّح الله .. " وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكْن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " ، واذكره على الدوام .. " وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ " .

بسّام بن عصام يغمور – مكّة

23/9/34 – 12:00ص

ملّة إبراهيم حنيفًا

باسم الله

ملَّةُ الخليل – عليه الصلاة والسَّلام –

     ما أبهاها من قصةٍ قصة إلهام الرب – سبحانه – لخليله وأبي أنبيائه إبراهيم – عليه وآله ومحمد وآله الصلاة والسلام – حقيقةَ التوحيد وحقيقةَ الربوبيّة !

     إنّها نموذجٌ لصياغة الإيمان الحق .

     وإنّها لضياءٌ وكشْفٌ لكثيرينَ سفّلوا مفهوم الإيمان وسفّهوه بجهل .

     إنّها ضرورةٌ قصوى لكل مسلمٍ في المقام الأول ، ولكل داعيةٍ إلى الإيمان بالرسالة الخاتَمة ، وإلى كل الناس حتى يفهموا هذه الرسالة .

     كانتِ بذرة الإيمان في خليل الرحمنِ في أرضٍ خصبة قد سُقِيتْ – سقيا اللهُ أعلم بها – ، إلاّ أنّها كانت بلا شكٍّ في المكان الصالح وبشكلٍ اعتُنِيَ بها فيه .

     كانتِ البذرة هذه وآيةُ الله لدى البشر للدلالة عليه معتنًى بها ، وذلك على الرَّغم من رفض هذا الإنسان الصالح الحرِّ لما كان عليه قومُه وعلى رأسهم أبيه نفسه ، من وضعهم للإيمان – ذلك المعنى العظيم الرباني الإنسانيّ – في موضعٍ مسيء ، وضعوه لأصنامٍ صنعوها بأنفسهم بل وتأكدوا من أنها لا تستطيع دفع الضرّ عن نفسها فضلاً عن غيرها ، فهي حتى ليس فيها روحٌ ! وهل هذه المخلوقات إلا بالروح ؟! ولولا الرُّوحُ ما الحياةُ وما السموّ وما الرقيّ ؟َ!

     إنّ هذا الرفض للواقع غير المتلائم مع النفس والفطرة – ولا نقول غير المتلائم مع المنطق ؛ فالإيمان لا يتطلّب المنطق في أساسه بل الصدق مع النفس والمعرفة بالحقيقة وهداية الله – إن هذا الرفض هو عينُ الحرّيّة ، وعينُ الاستقلال ، وعينُ القوّة .

     وإنّ هذه المفاهيمَ الثلاثَ يتحجج بها كثيرونَ ملحدون ، ولكنّ القاصمَ فيهم هو عدم استماعِهم لنداء فطرتِهم وأرواحهم التي سكنتْ أجسادهم كأضياف عابرين ، ولكنّ كثيرًا منهم لم يصل لهذه الحقيقة . وإن تجربةً واستقصاءً من واحدٍ منهم للأديان والرسائل السماويّة قد كان يكفي لاهتدائهم لو أراد الله ، ولكنّ كل هذا مرهونٌ ومعقودٌ بأن الله يهدي إليه من يشاء ومن ينيب ، وهو مسببّ الأسباب ومصرّف الآيات جميعًا .

     إنّ مفهوم إبراهيم الخليل – عليه وعليهم الصلاة والسلام – للربوبيّة تعدى الصور ، وتعدى المشاهدات ، وتعدى التصوّرات : " إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " ، توجّه للخالق الذي عرفَه ببذرة الإيمان فيه وحدَه دون أي تصوير ولا إشراك ولا شائبة ، وقال : " وَكَيَفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا " ، إنه رفض الإشراك لأنه ما نزل به سلطان من عند الله ، ولكنّه لم يرفُض الإيمان بالله بشكلٍ ؛ لأن هذا ما هداه الله إليه ببذرة الإيمان التي بذرها فيه – وهي لا تعدِم عقلاً ومنطِقًا فطريًّا – .

     الخليل لم يصوّر الله ، ولم يحدّد له مكانًا . إنّه اهتدى إليه وانبعثتْ في نفسه إرهاصات تعظيمه وتوقيره من خلال خلقِه ، وقبلَ ذلك من خِلال بذرة الإيمان التي خلفها الله في نفس كل آدميّ مكلّف بأن يصلِح نفسه حتى تنمو البذرة فيه ويهتديَ ، وإن أساء فهو المجنيّ عليه .

     وإنّه – مع ذلك – ليس كلّ البشر وأصحاب الرسالات - حتى السماويّة منها – على هذا التصوّر للربوبيّة .

     إنّ من تشوّه عندهم تصور الربوبيّة وفهمها قد فتحوا بابًا لكثيرٍ ممن فكّر وأبى عقلُه تسفيه وتسفيل الإيمان إلى مستوى دون ما تهتدي إليه الفطرة .

     هؤلاء الآبون قد انطلَقوا من مُنطلَق الخليل – عليه الصلاة والسلام – ، رفضوا لأنفسِهم أن يصوّروا الربّ في آدميّ ، أو في مخلوق صورتْه بعض الملل الشركيّة والفلسفيّة .

     والذين لم يهتدِ منهم – وهؤلاء حسبما يظهر كثُر – لم يعرفوا صورة الربّ عند المسلمين متبعي ملةِ إبراهيمَ والمقتفينَ أثرَها ، ولذا كانت الحسرةُ بعدم إيمانِهم ، ولجوئهم إلى الإلحاد والخلودُ إلى الطبيعة وإلى هذا العالم الكائن الآن – والذي سوف يتبدّل بغيره يومًا ما – . وربما يكون بعضُهم قد عرَفها – مع أني أشكّ ؛ لأنهم لو عرفوها لاعتنقوها – ولكن بذرة الإيمان لم يُهيِّئْ لها الأحوال الصالحة لنموّها .

     إنّ تصور الربوبيّة عند أهلِ الإيمان شديد حاسمٌ في عدم التشبيه ولا التمثيل ، بل إنّه يؤمن بالأسماء ولكنه يحرّم التعرّض للكيف والوصف ، فلا يد الله موصوفة ، ولا استواء الله مكيّف ، ولا ضحكه ولا تعجّبه معروفان ، وإنّ التعرّض لوصف أو تكييف أيّ من ذلك محرّم ومخالِف لعقيدة هذه الرسالة ، أو قل : مخالف لملّة إبراهيم ، تلك الملة التي عرفتِ الله فوقَ كل تصوير وتوصيف .

     وإنْ كان قائلٌ يقول : فلِمَ إذًا وصفَ الله الذي تزعمون وجودَه بأوصاف شبيهة بأشياء مشاهدة عندنا معشرَ البشر – ما دام أنه فوق التصورات والتخيلات – ؟! إذًا معتقدُكم لا يختلِف عن عقيدة الإغريق أو ألوهيّة المسيح والثالوث وغيرها من الملل الجاهلية المخالِفة للعقل .

     فإن الجواب يكون : لأنَّ الذي خلقنا وخلقك هو الأعرف بما نفهَم به الأشياء ونتصوّرها حتى نصلَ للمقصود من الرسالة في شريعتها ومقاصدِها المختلفة ، هو تودّد من ربنا وتألُّف ، وهو ترجمةٌ لحقيقة خلقه لنا ومعرفته بنا وقربِه منا ، وفوق ذلك قد تكونُ فتنةً لأمثالك من الذين لم تراعَ فيهم بذرةُ الإيمان بشكل يفتح لصاحبها باب الإيمان واليقين بالخالق ورسالته . ولكَ أن تتأمَّل خِطاب الرب لموسى الكليم – عليه الصلاة والسلام – لتعرِف مظهرًا من هذا التودد من الخالق لخلْقه . ثمّ إنّ قراءتَك للقرآن ولوصفِ الله لنفسه في كل الآيات وكل مواضيعِها تعرِف لا محدوديّة الرب – سبحانه – وسَعَتَه وفوقيّته ، فهو يحتوي كلّ الأحداث وكلّ العلم وكلّ الطبيعة ، ولا يخرجُ صغيرٌ ولا كبيرٌ عمّا وصفَ – سبحانه وبحمده وتعالى – .

     فأيّ عظمةٍ ورقيّ ترتقي إليه بالناس هذه الملّة الروحانيّة الصافيّة ، التي لم تقبلْ لأيدي البشر أن تتدخّل في صورة الربوبيّة وصفائها وكمالها الذي استودَع الكونَ بكل تجلّياتِه بعضًا من هذا وادّخر كثيرًا .

     " قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً " .

     والله أعلم – سبحانه وبحمده – .



مكة – 18/9/1434هـ

الأربعاء، 16 يوليو 2014

معجزة مسجد صنعاء النبوية

باسم الله

معجزة مسجد صنعاء

     كان المسلمون كاليهود والنصارى يتجهون في صلاتهم كقبلةٍ لهم إلى المسجد الأقصى ، واستمرّ هذا طويلاً منذ بداية الدعوة الإسلامية وحتّى الهجرة إلى المدينة بعدها بثلاثة عشرة سنة ، إلى أن جاء الأمر الإلهي بتحويل القبلة إلى مكة في المدينة ، بينما كان المسلمون يصلّون إحدى الفرائض في النهار خلف النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فصار المسجد الحرام هو القبلة : " فَوَلّ وجهكَ شَطرَ المسجدِ الحرام وحيثُما كُنتُمْ فولُّوا وجوهَكم شطره وإنّ الذي أوتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحقُّ من رَّبِّهِمْ " (البقرة-144) .

     صار المسلمون يتجهون في كل صلاة لهم إلى المسجد الحرام ، الذي كانوا يطوفون حوله أصلاً قبل ذلك ، ويحجون إليه ، وقد حجّ إليه كل الأنبياء تقريبًا ، ومكان الكعبة هو مكان معروف منذ أبينا آدم – عليه السلام – ، ثم جاء الخليل – عليه ونبينا وآلهما الصلاة والسلام – ليقيم البيت في مكانه المعروف ، وتعظيم هذا البيت استمرّ حتى قدوم نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وإلى يومنا هذا .

     كان الإسلام في انتشار وقتها ، وكانت القبائل قبيلةً قبيلةً تقدم إلى المدينة معلنةً إسلامها من أنحاء شبه الجزيرة العربية ، فيرحّب بهم النبي ويستقبلهم بحفاوة ويبعث معهم النبي – صلى الله عليه وسلم – رجالاً يعلّمونهم الدين وشرائعه .

     من تلك الوفود التي قدمت مسلمةً أهلُ اليمن ، وقد بعث إليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – ابن عمه وربيبه علي بن أبي طالب في همدان ومعاذ بن جبل إلى الجَنَد وإلى صنعاء أكثر من رسول ، منهم وَبْر بن يُحَنّس الخزاعي بعثه واليًا عليهم وأمره ببناء مسجد لهم بأوصاف دقيقة حددها له .

     هذه الأوصاف المحددة نجدها في معجم الطبرانيّ الأوسط عن وبْر بن يحنس يقول : " إذا بنيْت مسجد صنعاء فاجعله على يمين جبل يُقال له : ضِين " . وقال الحافظ الرازي في كتابه ( تاريخ صنعاء ) أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر وبر بن يحنس حين أرسله إلى صنعاء واليًا عليها فقال : " ادعُهم إلى الإيمان ، فإن أطاعوا لك به فاشرعِ الصلاة ، فإن أطاعوا لك بها فمر ببناء المسجد لهم في بستان باذان من الصخرة التي في أصل غمدان واستقبلْ به الجبل الذي يُقال له ضِين " . وقال الرازي : " كتب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى وبْر ليبنيَ حائطَ باذان مسجدًا ، ويجعلَه من الصخرة إلى موضع جدره ، ويستقبلَ بقبلته ضينًا " .

     بهذه التعاليم الدقيقة تم بناء المسجد لأهل صنعاء ، وقد اعتمدوا على تعاليم رسول الله لتحديد قبلتهم ، ولا يزال المسجد اليوم قائمًا في مكانه في مؤخرة الجامع الكبير بصنعاء مميّزًا بالصخرة المسماة بالصخرة الململمة التي أشار إليها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وكذلك مميزًا بعمود المسمورة الذي حافظ عليه اليمنيّون ليشير إلى حدود المسجد القديم مقابل عمود المنقورة .

      لم يكنْ من الممكن التأكّد بشكل دقيق من استقبال مسجد صنعاء للمسجد الحرام قبلة المسلمين ، لم يكن هناك GPS ولا حتى أقمار صناعيّة من الأصْل ، ولكنّ المثير أننا يمكننا الآن أن نلقي نظرة من خلال خرائط غوغل ، ونتحقّق من صحّة هذه الإرشادات الجغرافيّة القديمة في ضوء التقنية الحديثة متناهية الدقة .

      لحسن الحظّ من السهل تمييز مسجد صنعاء الكبير من الأقمار الصناعية ، ونجده مستقبِلاً بشكل دقيق لقمة جبل ضِين الذي حدده النبي – صلى الله عليه وسلم – لوبر الخزاعي ، حتّى أنّنا لو رسمْنا خطًّا مستقيمًا تمامًا منطلقًا من وسط المسجد في الاتجاه الذي يتجه إليه محرابُه ومددنا هذا الخطّ فإنه سيمرّ بقمة جبل ضِين وفي وسطها تمامًا ، والآن عليها محط تقوية تلفزيونية ومعسكر ، ولنا أن نمدّ هذا الخط أكثر وأكثر ، حتّى نصل إلى مكة ، ونندهش أنه لن يوصلنا إلى مكّة فحسب ، بل إلى مكان دقيق في المسجد الحرام ، إلى الكعبة ، لا بل إلى وسط الكعبة تمامًا ، إن هذا المسجد يستقبل القبلة في أحسن صورة يمكن أن يتجه فيها مسجد إلى القبلة ، مسجد صنعاء يتجه نحو وسط الكعبة تمامًا .

     لقد كان توجيه النبي – صلى الله عليه وسلم – كافيًا لتحديد القبلة لأهل صنعاء ، وكان التنفيذ الدقيق لهذا التوجيه قد أثمر أجمل ثمرة ، لم يكن النبي – صلى الله عليه وسلم – رحّالةً بين البلدان ، ولم يكنْ يعلم شيئًا عن خطوط الطول والعرض وارتفاع اليابسة ... إلخ ، ولم يكن يستطيع أن يرى جبل ضين من المدينة فضلاً على أن يراه من مكة ، فهو ليس بجبل عظيم الارتفاع ، والمسافة بين مكة وصنعاء 815 كم ، أما المسافة بين صنعاء وجبل ضين فهي 30 كم .

     إنّ هذا التوجيه الشريف يتحدّث عن نفسه أنّه ليس محض قدرات البشر العلميّة ، إنّه من نور علام الغيوب وهدايته – سبحانه وتبارك وتعالى – ، الذي أرسل محمّدًا – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – للعالمين ووهبَه من نوره ما لمْ يهبْه لغيره .

     " وما ينطِقُ عَنِ الهوى * إنْ هُوَ إلا وحْيٌ يُوحَى " (النجم-3 و4) .


-          الصور والمادّة موجودة في : http://www.youtube.com/watch?v=H99ycqm9q_I .

الإعجاز القرآني في تطور الجنين

باسم الله

معجزة نموّ الجنين



     كان البروفيسور كيث مور الرئيس السابق للتشريح والعميد المشارك للعلوم الطبية الأساسية في جامعة تورنتو بكندا ، بروفيسور علم التشريح وأحياء الخلية ، ومؤلف الإنسان المتطوّر / الناشئ " The Developing Human  " الذي ترجم لثماني لغات والذي اختير في وقته كأفضل كتاب أُلِّف من قِبَل شخص واحد ، والحائز على أبرز جائزة في التشريح في كندا – JCB ، كان محاضرًا أمام الجمع في أحد المحافل متحدّثًا في الميكروفون ، قائلاً :

     " في أربعينيات القرن التاسع عشر طرح البروفيسور ستريغر من معهد كارنيجي لعلم الأجنة بواشنطن العاصمة – طرح نظامًا لتصنيف مراحل النشأة الإنسانية ، نظامه رتّب 23 مرحلة للجنين-الإمبريو بناءً على الاختلافات في المظهر . النظام الكندي للتصنيف كان معمولاً به في أنحاء العالم إلى سبعينيات القرن التاسع عشر ، إلى حين قام دكتور من معهد كارنيجي لعلم الأجنة في سانديغو بكاليفورنيا بطرح نظام أكثر تنقيحًا .

     دراسات مكثفة في القرآن والحديث في الأربع السنوات الأخيرة كشفت نظامًا مذهلاً لتصنيف الجنين-الإمبريو الإنساني ؛ حيث أنه مسجّل في القرن السابع الميلادي ، مع أن أرسطو – موجد علم الأجنة – أدرك من خلال دراساته في القرن الرابع قبل الميلاد أن الجنين-الإمبريو يمر براحل ، ولكنه لم يعطِ أي تفاصيل حول هذه المراحل ، حيث أن علم الأجنة الحديث لم يعرف أي تفاصيل حول هذه المراحل حتى القرن العشرين ؛ لهذا السبب كان الوصف المتعلق بالجنين-الإمبريو في القرآن لا يمكن أن يكون مبنيًّا على المعرفة العلمية البحتة في القرن السابع ، الاستنتاج الوحيد هو أنّ هذه التوصيفات قد أُوحِيتْ إلى محمد من الله ، هو لم يكن قادرًا على أن يعرف تفاصيل كهذه لأنه كان رجلاً أميًّا بلا تدريب علمي إطلاقًا .

     المرحلة الأولى هي " الدفق " – علي أن أعتذر عن طريقة نطقي – ، هذا من سورة الطارق الآية السادسة والسابعة : " خُلِقَ مِن مَّآءٍ دافِق * يخرج من بين الصلب والترآئب " ، وهذا اللفظ العربي مُطلَق على ما يحدث أثناء عملية القذف عند الذكر والإباضة عند الإناث . " ثم يعرض أمام الحضور مواقع البويضة المخصبة المسماة " نطفة " في القرآن أول التخصيب بالقرب من المبيض ، حيث يتكرّر هذا في القرآن كثيرًا عند ذكر بداية خلق الإنسان ، وهذه النطفة هي الزايجوت – Zygote .

     " هذه الآية تقول : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " ، سلالة تعني الملايين من الخلايا الجنسية التي أنتجت وخلق من واحد منها الإنسان ، هناك 300 إلى 500 مليون حيوان منوي في مني ذكر شاب صحيح ، واحد منها فقط مختار ليخصّب البويضة " ... " سأقرأ الآية مجدّدًا : " من نطفةٍ خلَقه فقدّره " ، هذه الأولى التي لدينا ، و" الخلق " هو لفظ عربي يعني القدوم إلى الوجود وهو مستخدم عند الإشارة إلى البويضة المخصبة أو الزايجوت . يمكنكم أن تروا في الصورة الحيوان المنوي وهو يتحد مع البويضة مكونًا النطفة الجاهزة للانقسام إلى خليتين ما نسميه الزايجوت المنقسم أو النطفة المنقسمة .

     المرحلة الثانية هي التقدير ، من الآية نفسها ، وهذا اللفظ العربي يعني تحديد الصفات ؛ حيث أن النطفة أو الزايجوت يحتوي على العوامل الجينية والكروموسات التي تحدد صفات الشخص .

     هذه الآية في سورة البقرة 223 : " نساؤكم حرثٌ لكم " ، هذا التعبير العربي يرجع لحرث الأرض وغرس البذرة فيه ، هذا اللفظ مستخدم ليشير إلى الجماع غارسًا بذرة تصير إلى المتبرعمة الكيسية – blastocyst ، هذا التشبيه هو تشبيه جيد ، حيث المتبرعمة الكيسية تكون تركيبًا يستمد الأوكسجين والمواد الغذائية من دماء الأم ، كما أن النباتات تستمد المواد الغذائية من التربة .



     التالية هي العلقة ، هذا من سورة المؤمنون الآية 14 : " ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة " ، العلقة تشير إلى مظهر يشبه دودة العلق خاصّة بعد 22 يومًا كما هو معروض في هذه الشريحة ، أظن أن عليكم الموافقة على أن التماثل بين التكوينين الاثنين هو مذهل ، وأن الجنين-الإمبريو الإنساني هو حقًّا مشابه للعلَق – leech-like . الجنين-الإمبريو الشبيه بالعلق مرتبط بكيس الكوريون مرتبطًا في النهاية ببطانة الرحم .



     هذه مرحلة المضغة المذكورة في الآية : " ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقةَ مضغةً " ، وهذه المضغة هي كما تظهر هنا ، وتبدأ في الأسبوع السادس .



     المرحلة التالية هي الكساء في سورة المؤمنون الآية 14 : " فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا " ، فكانت لدينا المرحلة السابقة ثم كان لدينا العظام ثم غطينا العظام باللحم ، فهذا التعبير العربي " الكساء " يعني تلبيس العظام باللحم أو العضلات التي تكتسب العظام الارتباط بها ، الارتباط بالعضلات هذا يتيح لحركة الهيكل العظمي أن تحدث .



     هذه هي المرحلة الأخيرة من النشأة المسماة النشأة : " ثم أنشأناه خلقًا آخرَ " ، وهذا يعني النمو والقدوم إلى الوجود ، معدل النمو في الطور الجنيني جدير بالملاحظة خاصّةً بين الأسبوع السابع والسادس عشر ، لاحظ كم هو سريع النمو في مرحلة النشأة أو الفترة الجنينية – fetal period كما نسميها .



     المرحلة التالية هي مرحلة القابلية ، هناك سورة تقول أن مدة الحمل والفصال هي ثلاثون شهرًا (الأحقاف-15) ، وهذا التعبير العربي هو لقابلية الجنين للنجاة خارج الرحم ، ليس هناك وقت محدد لحين التأكد من نجاة الجنين ، ولكنه مقبول بشكل عام أن جنينًا بعمر 24 أسبوعًا أو أكثر لديه فرصة معقولة للنجاة ، نجاة الجنين بعمر 20-24 ( ستة أشهر ) أسبوعًا صارت ممكنة فقط في السنتين الأخيرتين عندما تطورت طرائق أفضل لتوفير العناية للمواليد الخدّج .

     المرحلة الأخيرة للنشوء الجنيني عندما يستطيع الجنين أن ينجو في مرحلة الخداجة ولكنه يبقى في الرحم حيث يكون مدعومًا بالأم ، ففي معظم الحالات الرحم يتصرف كحامٍ للجنين الخديج ، حيث يتم التجهيز للولادة .

     هذه الآية الأخيرة من سورة عبس ، الآيتان 19 و20 : " من نطفة خلقه فقدّره * ثم السبيل يسّره " ، هذا التعبير العربي يعني جعل المرور سهلاً ، كما أنه عند بلوغ وقت الولادة تصبح الأنسجة الجنينية ومفاصل الحوض أكثر مرونة ، فيصبح مرور الجنين عبر القناة الجنينية يصبح ميسّرًا ، هذه العملية المبتدأة بالهرمونات في دماء الأمّ تتسارع في مرحلة الولادة ، كما أن الكيس السلوي المشيمي يتمدد في وقت الولادة ويبرز من عنق الرحم ، عندما يتمزق الكيس السلوي المشيمي يشكّل السائل المشيمي طريقًا زلقًا للجنين ليمر عبر عنق الرحم ثم المهبل إلى خارج أمّه ، كل الأحداث أعلاه تيسّر ولادة الطفل ، لتجعل المرور سهلاً ( " السبيل يسّره " ) .

     مراحل النمو الإمبريوني والجنيني في القرآن ينبغي أن تستعمل أثناء تعليم الطلبة المسلمين ، لمطابقتها للفهم العصري النشأة قبل الولادة ، والسماح للأطباء والممرضات بشرح النشأة الإنسانية لمرضاهم باستعمال مصادر قرآنيّة .

     محمد لم يكن يستطيع أن يعلم هذه الحقائق حول النشأة الإنسانية في القرن السابع ؛ لأن معظمها لم يكن مكتشفًا حتى القرن العشرين .
     المسلمون وغيرهم يفسّرون ويستنتجون أن هذه الحقائق يمكنها أن تكون فقط موحاة إلى محمد من قِبَل الواحد ، الذي يعلم كل شيء عنا ، ليس فقط عن كيفية نشأتنا ، ولكن كيفية عيشنا وأدائنا .

     شكرًا جزيلاً . "

     شكرًا جزيلاً بروفيسور كيث .

     والحمد لله رب العالمين .